مع استدارة الطائرة نحو البحر، بدت أرض “الخبّيزة والسمّاق والعكوب والزعتر”، مساحات خضراء ممتدّة باتّجاه الأفق، و مزركشة بألوان الطبيعة. على أديمها تناثرت القرى والبلدات والبيوت الغافية فوق السهول والهضاب. ومن خلف هذا المشهد بدت تلال “الجولان” وهي تنحدر بشدّة نحو “بحيرة طبريا” أو “بحر الجليل” كما يحلو للبعض تسميتها أحياناً.
تميل الطائرة أكثر، فلا تظهر حينها إلّا السماء زرقاء صافية، تتخلّلها بضع غيوم شاردة في كل اتّجاه.
لكن على الجانب الآخر كانت هناك “يافا” التي قذفها البحر في زمن غابر كزمردة على الشاطئ، وظلّ منذ ذلك الحين يغسل بموجه الهادر قدميها.
ها هي الطائرة أخيراً تأخذ مسارها باتّجاه الغرب، تحلّق أولى أمتارها فوق البحر، وكان الشاطئ الرمليّ المستقيم يبتعد عن مجال الرؤية، حتّى بدا كضباب سديميّ يلوّح من بعيد للشابّ “جمال عثامنة” مودّعاً.
تلك الرحلة في الطائرة، شكّلَت بداية مرحلةٍ جديدة في غاية الأهميّة في حياة “جمال” ابن الثامن عشرة، فالهدف واضح، والطموح، في أن يصبح طبيباً متخصّصاً في طبّ وجراحة العيون لا رجعة عنه.
السعي لتحقيق هذا الهدف اكتسب قوّة دفعٍ من خلال دعم الأهل ومؤازرتهم، ومن التزامٍ ذاتيٍّ بتحقيق عهدٍ قطعه “جمال” على نفسه أمام والدته، بأن يصبح طبيب عيون ويتولّى هو معالجتها.
أمّا ” فرانكفورت ” المدينة “الألمانيّة” التي اختار “جمال” الدراسة في جامعتها، فقد بدت له كعالم آخر جمع بين قديم المباني ذات الأسقف القرميديّة الحمراء، و مبانٍ أخرى حديثة شاهقة الارتفاع، أخذت حينذاك تنمو في وسط المدينة وعلى أطرافها، كانعكاس لواقع كرّستهُ المدينة العريقة لذاتها، كعاصمةٍ اقتصاديّة وماليّة “لألمانيا”.

حين وصوله إلى بلاد “غوتّ” و”نيتشة”، لم يكن الشاب “جمال عثامنة” وحيداً هناك على الصعيد العائليّ، فقد سبقه إلى تلك البلاد شقيقه الأكبر، ولاحقاً بقيّة الأشقاء، ليصل عددهم إلى خمسة، جاؤوا جميعا للدراسة في مختلف التخصّصات الجامعيّة والمهنيّة والعلميّة، من طبّ الأسنان إلى الهندسة والاقتصاد وغيرها.
مع ذلك كان الإدراك بأن إتقان اللغة “الألمانيّة” هو مفتاح النجاح في الدراسة، وفي التواصل مع المجتمع الجديد، موجوداً في قناعات الشاب “جمال” الذي لم يُضِع الوقت في الالتحاق بجامعته وبدء تعلُّم اللغة.
آنذاك وفي عقد الثمانينات من القرن الميلاديّ الماضي، كان المجتمع “الألمانيّ” أكثر انفتاحاً على الوافدين الجُدُد من طلبة ومهاجرين، بما يحملونه من ثقافات متنوّعة، ومنابت عرقيّة مختلفة. ولم تكن هناك من وسيلة للتواصل والاختلاط مع المجتمع أفضل من التحدّث إليه بلغته، سواء كان على المستوى الأكاديميّ، أو اليوميّ في الشارع والأماكن العامّة، وهو ما خفّف على الطالب “جمال عثامنة” من صعوبات الغربة، بحيث نجح في تقسيم وقته بين الدراسة الجامعيّة، وحياته الاجتماعيّة مع محيطه، المليئة بالمعارف والأصدقاء.
سبع سنوات من الدراسة والجهد والمثابرة مضت سريعا ليتخرج الشاب “جمال” بعدها طبيباً من جامعة “فرانكفورت”، منتقلاً ودون تلكّؤ أو إبطاء إلى مرحلة التخصُّص في طبّ العيون، وهي مرحلة شكَّلَت هذه المرّة العاصمة “النمساويّة” “ڤيينا” عنوانها الأساس.
كان التحاق الدكتور الشاب “جمال عثامنة” القادم من “ألمانيا” بالمستشفى الجامعيّ العامّ (AKH) في “ڤيينا” لدراسة تخصُّصه، بمثابة اختيارٍ متبادلٍ بين الطرفين.
فالمستشفى له تميّزُه ومكانته على الصعيد الأوروبيّ بل والعالميّ، ولهذا يكون بالتالي من السهولة بمكان لطالبٍ، أو راغبٍ بدراسة تخصُّصٍ ما، الالتحاق به ما لم يكن الطالب على قدر لا يُستهان به من الكفاءة والمهنيّة والقدرة على إثبات الذات، وهو ما لاحظ المسؤولون في المستشفى توافره عند الدكتور “جمال عثامنة”.
ستّة أعوامٍ أخرى من الجهد والمثابرة مرّت على الدكتور “عثامنة” في “ڤيينا”، بات خلالها وجهاً مألوفاً في أروقة وقاعات وغرف العمليّات في المستشفى الجامعيّ العامّ، وفي عموم المجتمع الطبّيّ في المدينة، ليتخرج بعدها كطبيب متخصّصٍ في جراحة وطبّ العيون بتميُّزٍ مهنيّ وفق شهادة أساتذته وزملائه.
العودة إلى الوطن بما اكتسبه من علم ومعرفة، شكلّلَت للدكتور “جمال عثامنة” هدفاً لما بعد التخرُّج.

وهكذا كان، حيث أمضى الدكتور “عثامنة” سنوات ثلاث عالج خلالها الآلاف من أبناء مجتمعه وبلده قبل أن يشعر برغبة في زيارة “ڤيينا” التي تركت لديه انطباعات حسنة وذكريات جميلة لا تُنسى.
عندما قام الدكتور “جمال عثامنة” في نهاية عقد التسعينات من القرن الميلاديّ الماضي، بزيارته إلى “ڤيينا” لأوّل مرّة منذ مغادرته لها بعد التخرُّج الجامعيّ، لم يكن يخطر على باله أن تشكّل هذه الزيارة سبباً في الاستقرار في المدينة، بعد دعوة وتشجيع له من نقابة الأطبّاء فيها، الحريصين على استقطاب أصحاب الخبرات الطبيّة المتميّزة. بخاصّةٍ تلك التي أنهى أصحابها دراستهم التخصصيّة وخبراتهم العمليّة في جامعات ومستشفيات “ڤيينا”.

بعد فترة من عمل الدكتور “جمال عثامنة” في واحد من أبرز مستشفيات “ڤيينا” التخصصيّة. قاده تميُّزه وطموحه إلى تأسيس مشفى متخصّص في طبّ وجراحة العيون، بكادرٍ من الأطبّاء والموظّفين والمتخصّصين ناهز الأربعين شخصاً.
مع الوقت تزايدت أهميّة هذا المشفى وشهرته، بعد النجاحات التي حقّقها في مجال عمله، ونيله ثقة المرضى، الذين باتوا يتوافدون عليه حتى من خارج العاصمة “ڤيينا” ومن خارج “النمسا” أيضاّ.
اليوم وبعيداً عن أجواء العمل، وفي بعض أوقاته و جلساته الخاصّة مع الأصدقاء والمعارف، يردّدُ الدكتور “جمال عثامنة” أحياناً عنوان قصيدة للشاعر محمود درويش : ” أنا من هناك ” كتعريفٍ لا شعوريّ عن الذات. ذات المغترب الذي يبرز كنجمٍ مضيءٍ في سماء الغربة. لكنّه يبقى منتمياً إلى هناك. هناك المكان، وهناك الماضي، والبدايات المفعمة برائحة البحر والبرتقال والزعتر، وبكلّ المفردات التي أعطت للانتماء أعزّ وأنبل معانيه.